الفصل العاشر :
استمرت الرحلة الغامضه اياما اخرى . كانت هيلاري تعيش معهم وتؤاكلهم ، وتحدثهم وتخاطبهم، ومع ذلك فقد ظلت طوال الوقت تحس انها بعيده عنهم ، لا تشاركهم آراءهم ومعتقداتهم كأنما بينهم وبينها سد هائل.
فهذا هو الدكتور بارون لا يتمنى إلا شيئا واحدا ، هو ان يحصل على النقود فيغرق نفسه في معمله بين اجهزته وانابيب الاختبار. وكان من حين لآخر يحدثها عن قوة التدمير المروعه التي يمكن ان تحتوي عليها انبوبه في حجم قبضة اليد.
وسألته :
- ولكن ايمكنك حقا استعمالها ؟
فنظر إليها بانفعال جنوني وقال:
- ولم لا ؟ مادام الامر ضروريا ..
وسرى الرعب بأوصالها ، وهز اعماقها هزا عنيفا وداخلها شعور بالخوف منه .. ومن الاخرين .
هاهو ذا رجل يتحدث بمنتهى الاستخفاف عن إبادة ملايين البشر دون ان تهتز شعرة في رأسه ..
وكذلك كانت هيلاري تكره تلك السيده المتعجرفه المستعليه هيلدا نيدهايم .. ولكنها كانت تميل إلى اندي بيترز وإن افزعها منه ذلك الوميض المتألق الذي كان يغشى عينيه من حين لآخر ..
قالت له يوما:
- إنك لا تريد خلق دنيا جديدة لأن الذي يسعدك هو تدمير هذه الدنيا التي تعيش فيها.
قال مستنكرا :
- ماذا تقولين يا اوليف؟!
- إن الأمر واضح ولست مخطئه . إني اكاد المس الحقد الذي يتأجج به صدرك. الحقد ، الكراهيه، الرغبه في التدمير ، هذا هو مايجيش به صدرك .
اما نظرة هيلاري لايريكسون كانت مختلفه .. فهو رجل حالم .. رجل مثالي متعلق بالأوهام.
كان دائما يردد:
- نحن معشر العلماء يجب ان نسود العالم .. نحن الذين يجب ان نحكم ونسيطر .. مقاعد الحكم لم تخلق إلا للعباقره.
وهكذا كانوا جماعه واحده، يضمهم مكان واحد ، ولكن معتقداتهم ونوازعهم كانت متنافره متناقضه ، بيد انه كان يجمعهم هدف مشترك/ ذلك انهم كانوا جميعا يتطلعون إلى وهم وسراب.
وفي نهاية اليوم الثالث هبطوا قريه صغيره، ونزلوا في خان وطني متواضع وطلبت إليهم مسز بيكر ان يخلعوا الزي المراكشي وان يعودوا إلى ثيابهم الأوروبيه.
وقالت لهم :
- ارجو ان تسرعوا لأن الطائره تنتظرنا.
فقالت هيلاري باستغراب:
- طائره؟!
- نعم .. فحسبنا هذه السياره التي قضت منا الاضلع.
واستقلوا الطائره وكان القائد فرنسي الجنسيه بارعا بمهنته. وطاروا بضع ساعات فمرت بهم الطائره بأمان من وسط الجبال الشاهقه.
وبعد ظهر اليوم التالي اخذت الطائره تهبط إلى الأرض حتى استقرت عجلاتها على سهل تحف به الجبار في مطار بدائي يقوم عند طرفه القصي بناء ابيض.
فمشت بهم مسز بيكر إلى البناء وهي تقول آمره:
- عليكم ان تغتسلوا وتتناولوا القهوة قبل ان تستقلوا السيارات .
واغتسلوا ومشطوا شعورهم وجاءهم الخدم العرب بالقهوة والسندويشات وتأهبوا لمواصلة السفر .
فقالت لهم مسز بيكر وفي تنظر في ساعتها:
- لقد ان لي ان اترككم أيها الاصحاب فتلك هي المرحلة الأخيره من الرحله .
فسألتها هيلاري:
- اراجعة انت إلى مراكش؟!
- وكيف ارجع اليها والمفروض اني ميته حرقا في الطائرة التي سقطت؟! إن ورائي مهام اخرى في بلاد ثانيه.
- ولكن هبي ان احدا القتى بك صدفة ممن عرفوك في مراكش؟
- وهل صعب علي ان اتخلص من هذا المأزق؟ سأزعم بأن لي شقيقة تشبهني تمام الشبه وهي التي احترقت في الطائره. وطبعا سيكون لدي جواز سفر باسم اخر وسأغير لون شعري ونبرات صوتي.
فازدادت هيلاري إعجابا بالخطه المدبره . وودعت مسز بيكر باقي رفاق السهر ، فاستقلت الطائره ، ومالبثت ان علت في الجو وتوارت وراء الافق.
*****
جاءهم احد الخدم العرب قائلا:
- السيارات جاهزة ايها الساده.
كانت بانتظارهم سيارتان كاديلاك يقودهما سائقان يرتديان الزي الرسمي فاتخذت هيلاري جلستها في المقعد الامامي بجانب السائق الفرنسي ، وكانت من حين لآخر تحدثه حديثا عابرا عن المشاهد التي تمر بها السياره .
وسألته اخيرا:
- ترى هل تطول الرحله ؟!
- المسافة من المطار للمستشفى تستغرق حوالى ساعتين ياسيدتي .
طنت الكلمات في اذنيها ، ولأول مره فطنت إلى ان هيلدا نيدهايم كانت الآن تلبس زي الممرضات.
وعادت تسأل السائق الفرنسي:
- حدثني قليلا عن المستشفى.
- إنها من اروع المستشفيات في العالم ومزوده بأحدث الأجهزه العلميه وكثير من كبار الأطباء يزورونها من حين لآخر ثم يرحلون وهم يثنون عليها اعظم الثناء. إن الأبحاث التي تجري فيها لخير الإنسانية جمعاء.
فقالت هيلاري تجاريه :
- طبعا .. هذا لاشك فيه.
- فيما مضى كان هؤلاء التعساء يرسلون إلى جزيره مهجوره فيقضون ماتبقى من حياتهم حتى يدركهم الموت . اما الآن فهم يعالجون هنا بالدواء الذي اكتشفه الدكتور كولوني ، وقد ثبت نجاحه في معظم الحالات حتى الحالات المستعصيه المزمنه.
عجبت هيلاري لحديث السائق إذ لم تكن تدري من هؤلاء الذين نعتهم بالتعساء ولا أي داء يعانون .
توقفت بهم السياره امام المستشفى، فاستقبلهم زنجي يرتدي ثيابا بيضاء فتح لهم البوابة ودعاهم للدخول .
ورأت هيلاري نفسها في فناء كبير حجز معظمه بسور من القضبان والأسلاك ووراء السور كان جماعة من الناس يتمشون رائحين غادين.
فاستداروا ينظرون للقادمين الجدد ، وعندها هتفت هيلاري وهي تشهق في رعب :
- يا إلهي .. إنهم مصابون بالجذام !!!!!!!!!!!!!!!!!
ولفرط فزعها طغت على اوصالها رعده كادت معها ان تتهاوى على الارض مغشيا عليها .
الفصل الحادي عشر
اغلقت البوابه وراء القادمين الجدد مرسله رنينا حادا ، بدا في هذا السكون الشامل كأنه صادر من مطارق تدق السندان دقا عنيفا ,, وخيل إلى هيلاري ان رنين البوابه كان يحاكي صوتا يقول: انتم يامن تدخلون اطرحوا الامل فأنتم لاتعودون ..
نعم تلك هي النهايه .. النهايه الحقيقيه نهايه بلا رجعه .. إنها الآن وحيده وسط الاعداء ولن تمضي دقائق معدوده حتى تواجه باكتشاف امرها وانفضاح سرها ..
دار بخلدها : الآن انطبقت علي المصيده ، ولم يعد أمامي سبيل إلى الفرار .. سوف لا يقع عليها بصر توماس بيترتون حتى ينطلق صارخا : ولكن هذه ليست زوجتي ..
وتنتهبها العيون من كل جانب .. بنظرات حانقه شزراء .. جاسوسه في وسطهم ؟ وخطر لها ان تعكس الموقف: فبدلا من ان يصرخ بيترتون بأن هذه ليست زوجتي ، ستبادره هي بمجرد ان يقع بصرها عليه : كلا ليس هو زوجي ..
وإذا استطاعت ان تجعل الحماس يدب في صوتها والرعب يطل من عينيها فسوف تنجح في إثارة الشكوك ،، وسوف يرتابون ويتساءلون : ترى هل بيترتون هو حقا بيترتون ام عالم اخر انتحل شخصيته واندس بينهم ؟ هل هو الجاسوس اما هي فالزوجة الحقيقيه؟!
ولكن اليس معنى هذا ان يصبح بيترتون هو الضحيه ؟! وأن يقضى عليه بالهلاك ؟!
إن ضميرها لم يبكتها ولن تندم ابدا فبيترتون خائن انحاز إليهم وجاء اليهم ليبيعهم اسرار بلاده ، فهو اهل لأن يموت دون شفقه او رحمه ..
انتزعها من خواطرها اليائسه رجل عملاق الجسم وسيم الوجه ، اقبل على الجماعه يستقبلهم ويحييهم واحدا تلو الاخر ..
وحين مد يده يصافح هيلاري رسم على شفتيه ابتسامه باهته مصطنعه وقال لها :
- لا شك انك متلهفه إلى لقائه ..
اشتد اضطرابها واخذتها غشيه عابره من الدوار وشردت عيناها بنظره تجردت من التعبير .
بادر اندرو بيترز بلمس ذراعها في رفق ، وسندها وهو يقول للمضيف الذي جاء يرحب بهم :
- لعلك لا تعلم ان الطائره سقطت بالسيده بيترتون وأنها اصيبت بارتجاج في المخ ، وقد زادتها هذه الرحلة المضنيه المتواصله ارهاقا فوق ارهاق . إنها الآن يجب ان تستريح ساعة او ساعتين في غرفه معتمه .
استشفت هيلاري من صوته ومن ذراعه التي تسندها بادرة من الرحمه والإشفاق ولكنها استجمعت شجاعتها ورفعت رأسها وقالت :
- كلا كلا .. يجب ان اقابل توم .. إذهبوا بي إليه في الحال .. اريد ان اراه حالا ..
قال الرجل العملاق الوسيم :
- بالتأكيد يا سيدة بيترتون .. إني استطيع ان ادرك حقيقة مشاعرك ..
أشار إلى امرأه تقف على قيد خطوات وهو يقول :
- دعوني اقدم لك الآنسه جينسون ..
وقدم إليها القادمين الجدد كل واحد بدوره .. ثم قال :
- ستصحبكم الآنسه جينسون إلى مكتب التسجيل وتقدم إليكم شرابا ريثما اصطحب السيدة بيترتون إلى زوجها وسأعود إليكم بعد برهه وجيزه ..
استدار منصرفا وفي اعقابه هيلاري كرافن وحانت منها لفته إلى الوراء ورأت بيترز يتابعها ببصره وخيل إليها انه يهم في تردد ان يلحق بها ثم آثر البقاء ..
وقال لها الرجل وهو يمشي بها في دهاليز طويله ملتويه :
- إنني ادعى بول فان هايديم .
وقالت له هيلاري :
- إنه لأمر فظيع .. مرعب .. اعني هؤلاء المجذومين ..
فقال :
- إنك لن تلبثي ان تألفي رؤيتهم ..
توقف فجأه عند احد الابواب وقرع الباب ، ثم تريث برهه قبل ان يفتحه ..
وقال :
- بيترتون .. هاهي ذي هنا اخيرا .. زوجتك.
وتنحى عن الباب قليلا ليفسح لها مكانا للدخول ..
دخلت هيلاري إلى الغرفه .. الآن لا سبيل إلى التراجع ..
لا سبيل إلى التردد .. تقدمت إلى الداخل .. تقدمت إلى الأمام .. إلى القدر المحتوم ..
كان الرجل واقفا عند النافذه وحين استدار إليها أدهشها أن رأته شديد الوسامه .. إن الصوره التي رأتها لتوماس بيترتون لم تكن على مثل هذه الوسامه .. بل كانت مختلفه إلى حد غير قليل ..
واتتها الفكره على الفور بسبب هذا الاختلاف واستقرت عليها .. تقدمت إلى الأمام في خطوه سريعه ، ثم ارتدت متراجعه إلى الوراء ورن صوتها في ارجاء الغرفه بالفزع واليأس:
- ولكن هذا ليس هو توم .. إنه ليس زوجي ..
لقد ادت دورها بإتقان منقطع النظير، وتلاقت عيناها الحائرتان بعيني فان هايديم .. وعندئذ ضحك توم بيترتون وكانت ضحكته لطيفه هادئه والتفت إلى فان هايديم الواقف بمدخل الباب وقال :
- هذا رائع .. مادامت زوجتي نفسها لم تعرفني ..
أسرع إلى هيلاري فاحتواها بين ذراعيه وضمها إلى صدره وهو يقول :
- اوليف حبيبتي .. إنك بالتأكيد تعرفينني .. إنني توم بالتأكيد وإن لم يعد لي نفس الوجه الذي عرفتني به من قبل ..
وظل يضمها إلى صدره وألصق فمه بأذنها وهمس ..
- مثلي دور الزوجه .. بالله عليك .. إنني في خطر ..
خلى عنها ذراعيه ثم عاد يضمها إليه مره اخرى ويقول:
- اه ياحبيبتي .. كانت الاشهر التي انقضت بمثابة دهور ودهور .. ولكن شكرا لله .. هانحن اولاء اخيرا قد التقينا ..
واحست بأصابعه تنغرز في جسدها محذره .. منذره .. متوسله .. ضارعه .. وتلقت الرساله ووعتها ..
واستطرد بصوت عال : انظري إلي حبيبتي .. إنني توم .. لا شك في انك الآن عرفتني ..
تلقفت هيلاري النجدة الإلهيه وتشبثت بها .. فغمغمت :
- اه... حبيبي توم .. إنك توم بالتأكيد .. لاشك في ان اصابتي بالارتجاج جعلتني افقد ذاكرتي برهه ..
- ليس هذا فقط وإنما ايضا جراحة التجميل ,,, إن الدكتور هيرتز جراح التجميل المشهور موجود هنا .. وقد اصلح انفي المهشم بسبب حادث السياره ..
واستدار يتطلع إلى فان هايديم .. فوجده يبتسم مغتبطا ..
وقالت هيلاري :
- إني اسفه يا حبيبي .. الارتجاج والرحلة الشاقه.. كل هذا اثر علي ..
فقال لها الزوج المزعوم :
- هوني عليك يا حبيبتي .. بعد شيء من الراحه سيزول كل أثر للارتجاج ..
وانسحب فان هايديم واغلق الباب وراءه..
وضمها بيترتون إلى صدره وهمس في اذنها .. بصوت لا يكاد يسمع ..
- استمري في تمثيل دورك .. فقد يكون في الغرفه ميكروفون مخبأ ..
وهمست بدورها وهي تسند رأسها إلى صدره :
- او ربما ثقب خفي في الجدران يراقبوننا من خلاله ..
جلسا يتناجيان ويستعيدان بعض الذكريات السعيده ..
وسألته :
- هل انت سعيد هنا ؟!
كان سؤالا طبيعيا يجب ان توجهه أي زوجه إلى زوجها ..
أجاب ..
- الحياه هنا رائعه .
ولكن نظراته كانت تنم عن الخوف والانزعاج ..
سألته :
- ولكن .. هؤلاء المجذومين ؟ أهذه حقا مستعمره للجذام؟!
فضحك وقال:
- مجرد ستار نخفي وراءه حقيقة ابحاثنا واهدافنا ..
ثم اردف :
- والآن تعالي لنلقي نظره على الجناح المخصص لإقامتنا ..
وطاف بها غرف الجناح .. وهو يتأبط ذراعها وحين رجع بها سألها :
- اتحبين ان تستريحي قليلا !؟
وإذ اجابت بالنفي .. قال لها ..
- إذن هيا بنا إلى مكتب التسجيل إذ لا شك انهم في انتظارك ..
الفصل الثاني عشر
كانت المرأه التي ترأس مكتب التسجيل شبيهه بالسجانات في صرامة وجهها وجمود قسماتها .. ورحبت بالدكتور بيترتون في كلمات وجيزه مقتضبه.. وقالت له :
- إذن .. فقد جاءت السيدة بيترتون اخيرا
كان يبدو من لكنتها انها سويسريه.
اشارت إلى هيلاري تدعوها إلى الجلوس وفتحت درجا تناولت منه عدة استمارات نشرتها فوق المكتب .. ومضت تدون بعض البيانات.
وقال بيترتون :
- إني ذاهب إلى عملي يا اوليف فالحقي بي عندما تفرغين
انصرف بيترتون وأوصد الباب وراءه ، والتفتت رئيسة مكتب التسجيل إلى هيلاري وقالت :
- والآن اسمك بالكامل والسن ومحل الميلاد واسماء الابوين .. والامراض الخطيره ، وهواياتك المختلفه والاعمال التي التحقت بها ومؤهلاتك العلميه والاطعمه التي تفضلينها وهناك اسئله اخرى سوف اوجهها إليك فيما بعد ..
ابتسمت هيلاري في اعياء واخذت تجيب على الاسئله والمرأة ماضيه في تدوينها بالاستمارات التي امامها ..
واخذت الاسئله تتوالى تباعا جتى لكأنها سيل جارف لا ينتهي ..
واخيرا رفعت المرأة رأسها وقالت :
- هذا هو ما يختص به هذا المكتب والآن سأبعث بك إلى الدكتوره شوارتز لتفحصك من الناحية الطبيه.
وتساءلت هيلاري:
- وهل هذا ضروري ؟!
- ضروري جدا يا سيدة بيترتون .. فإننا هنا نؤمن بالكمال ونحب ان نثبت كل شيء في السجلات ..
وقامت الدكتوره شوارتز بفحص هيلاري فحصا دقيقا استغرق فتره قصيره ثم قالت لها :
- والآن عليك الذهاب إلى الدكتور روبيك.
- ومن يكون الكتور روبيك هذا؟
- طبيب نفسي ..
- ولكني لست بحاجه إلى طبيب نفسي ..
- لا داعي للانزعاج سيده بيترتون .. إن ما سيدور بينكما لا يعدو اختبارا للذكاء وتحديد معالم شخصيتك..
كان الدكتور روبيك سويسريا.. في الاربعين من العمر .. ورحب بهيلاري في لطف ودماثه .. وتصفح البطاقه التي بعثت بها إليه الدكتوره شوارتز ثم قال:
- يسعدني ان اعرف ان صحتك جيده ياسيدة بيترتون ..
ثم اردف ..
- لقد بلغني انك تعرضت لحادث سقوط طائره منذ فتره وجيزه إليس كذلك؟!
- بلى وقد امضيت خمسة ايام في مستشفى كازابلانكا..
- ولكن خمسة ايام لا تكفي إطلاقا .. كان يجب ان يستبقوك اكثر من هذا..
- كنت تواقه إلى مغادرة المستشفى لأواصل رحلتي ..
- هذا تصرف غير سليم ، فالإصابه بارتجاج المخ تحتاج إلى فتره طويله من الراحه والاستجمام.. إنك قد تترائين سليمه في البدايه ولكن هناك احتمالا كبيرا لآثار جانبيه خطيره .. إن جهازك العصبي فيما ارى مضطرب إلى حد ما ، وهذا راجع دون شك إلى مشقة الرحله .. وإلى الارتجاج في الوقت ذاته ..
ثم سألها :
- هل تشعرين بصداع ؟
- نعم صداع شديد جدا .. ومن حين لآخر اشعر بالدوار وافقد ذاكرتي ..
- بالتأكيد .. بالتأكيد .. إنني استطيع ان ادرك هذا ، والآن سأجري بعض الاختبارات .. لأتبين مستوى عقليتك ..
ومضى الدكتور روبيك يجري عليها اختباراته ويوجه إليها بعض الأسئله ويدون حصيلة ذلك كله في استماره امامه .. واخيرا قال :
- ارجو الا يسوءك يا سيدتي ان اقول إنه مما يسعدني ان افحص الآن شخصا ليس من العلماء العباقره ..
ضحكت هيلاري وقالت :
- وما الذي يسوؤني من هذا وانا اعلم اني لست بالعبقرية او النابغه؟
فقال الدكتور روبيك :
- وهذا من حسن حظك يا سيدتي .. فإن حياة العباقرة جحيم لا يطاق ..
واستطرد :
- إنني هنا لا اتعامل إلا مع قوم مفرطي الذكاء .. وهؤلاء معرضون دائما للاختلال العصبي تحت وطأة الضغط الذي يعانونه .. فالعالم يا سيدتي ليس باردا هادئا كما يبدو في الظاهر . فإن انهماكه في عمله يجعل اعصابه مرهقه إلى اقصى حد .. ولا فرق في هذا إطلاقا بين الممثله الأولى او بطل التنس او عالم الذره ..
- صدقت .. فقد خبرت هذا بنفسي ..
إذ كان من المفروض انها عاشرت بيترتون فتره طويله باعتبارها زوجته .. وهو دون شك من العلماء العباقره .. وكأنما اراد ان يقتضب الحديث .. فمد إليها يده فجأه يصافحها وهو يقول :
- والآن ستذهبين إلى الانسه لاروش .. لتمضي بك إلى قسم الملبوسات لتختاري ما يروقك من الثياب ..
كانت النساء اللائي التقب بهن هيلاري جميعا حتى تلك اللحظه يعملن كأنهن آلات ميكانيكيه .. ذكرتها بالإنسان الآلي .. روبوت .. اما الآنسه لاروش .. فكانت على العكس .. مرحه .. متدفقه بالحيويه .. ارتاحت هيلاري إلى لقائها ..
قالت لها الفتاه :
- إني سعيده بأن اتعرف إليك يا سيدتي وارجو ان اوفق في تقديم كل مساعده ممكنه ..
ثم استطردت ..
- بما أنك وصلت الآن لتوك .. فلاشك في انك مازلت متعبه ولذلك اشير عليك ان تكتفي الآن بانتقاء بعض الثياب الضروريه وفستان واحد .. وغدا وفي خلال الايام التاليه يمكنك ان تلقي نظره على مالدي من ثياب ومن مستحضرات التجميل ..
فقالت هيلاري :
- كل ما ارجوه الآن .. ان امتلك مشطا وفرشاه ..
ضحكت الانسه لاروش في مرح ومضت تدون مقاس عميلتها في مفكره لديها ثم قالت :
- سأبعث على الفور إلى جناحك بكل ماوقع عليه اختيارك وإنه ليسعدني ان تترددي على المتجر من حين لآخر ، فقد تبينت ان لك ذوقا رفيعا في الاختيار. اما هؤلاء السيدات العالمات .. فقد ضقت بهن ذرعا.. خاصة وانهن لا يبدين اي اهتمام بمستحضرات التجميل ..
ثم استطردت :
- منذ نصف ساعه كانت لدي هنا واحده منهن .. اثارت اعصابي .. إحدى رفيقاتك في السفر ..
فقالت هيلاري :
- لعلك تعنين هيلدا نيدهايم ..
- تماما هذا هو اسمها .. إنها المانيه بالتأكيد .. والألمانيات عادة لا يحفلن بالتجميل ، مع انها يمكن ان تبدو جميله لو انها ابدت بعض الاهتمام بنفسها .. إنها دكتوره فيما فهمت .. ولكن الرجل لا يبحث عن المؤهلات العلميه وإنما عن لمسة من الجمال والأنوثه .
اه وهاهي ذي اخرى لا يتأتى لرجل ان يتطلع إليها بتاتا ..
فقد بدت الآنسه جينسون في مدخل الغرفه ، وفوق عينيها نظارتها الصغيره العتيقة الطراز ..
وقالت الآنسه جينسون:
- اذا كنت قد فرغت يا سيدة بيترتون فسأصحبك لمقابلة نائب المدير الدكتور نيلسون .
قالت هيلاري في نفسها : كل من هنا يحمل لقب دكتور عداي انا ..
ثم رفعت صوتها متسائله :
- وما هو تخصص الدكتور نيلسون؟!
- إنه ليس طبيبا ، فهو حاصل على الدكتوراه في الاداره ومن عادته ان يقابل كل وافد جديد ليتحدق إليه ولكنك لنن تقابليه بعد هذا إلا إذا ثارت مشكله مهمه ..
*****
نهض الدكتور نيلسون من وراء مكتبه يحييها ويشد على يدها في حراره ..
- يسعدني ان اراك بيننا يا سيدة بيترتون دعيني اهنئك بالنجاة من هذا الحادث المؤسف الذي وقع لطائرتك ..
وشكرته هيلاري على لطفه واستطرد يقول :
- إني على استعداد لأن اجيب عن اي سؤال يخطر بذهنك فهل لديك ما تحبين ان تستفسري عنه ؟
فبدت امارات الحيره على وجه هيلاري وقالت :
- الحق اني لا ادري ولكن لعل كل ما يعنيني ان استفسر عنه هو ان اعرف اين انا الآن ..؟!
ابتسم الدكتور نيلسون واجاب:
- إني ادرك ما يجول بذهنك .. إنكم تعتقدون جميعا للوهلة الاولى لفرط ما سمعتم من مفتريات انكم ذاهبون إلى موسكو .. وراء الستار الحديدي .. ولكن لا ياسيدتي .. إنك الآن في افريقيا .. في قلب الصحراء المراكشيه .. ومستعمرة الجذام التي تعيشين فيها الآن هي بمثابة الستار الحديدي لأنها ترد عن علمائنا المتطفلين الذين يحاولون اكتشاف مقرهم ..
قالت هيلاري :
- صدقت .. فقد تصورت في البدايه اننا مسافرون إلى موسكو ..
- إنك ستعيشين هنا في عزله تامه عن العالم ولكن وسائل الترفيه والتسليه متوافره .. إن لزوجك عمله الذي قد يشغله عنك فقد ينكب على العمل ليل نهار ولا يفرغ لك إلا نادرا ، ولكن يمكنك ان تشغلي نفسك بقضاء الوقت مع زوجات العلماء وسوف تجدين انهن لطيفات ذوات ود ..
سألته هيلاري في شيء من الإحجام :
- ولكن هل يسمح لنا بالخروج ؟!
فتطلع إليها وقال مترددا :
- الخروج يا سيدة بيترتون؟! .. سؤال طبيعي لا بد ان يصدر عن كل وافد جديد . لكن المبدأ الاساسي الذي تدين به منظمتنا هو اننا هنا في دنيا قائمه بذاتها فلا شيء يدعونا إلى ان نتجاوز حدودها ونذهب إلى خارجها .. إنها دنيا كامله .. ذات اكتفاء ذاتي شامل ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق