الأحد، 24 سبتمبر 2017

الفصل 13 - 14 - 15 - 16



الفصل الثالث عشر:



قالت هيلاري وقد رجعت إلى جناحها :



- إن الحياة هنا شبيهة بجو المدارس ..



فقال بيترتون:



- هذا هو ما يحسه المرء في البدايه انا نفسي داخلني هذا الشعور حين جئت ..



كان الحديث بينهما يدور في تحفظ وحذر .. خشية ان يكون هناك ميكروفون مدسوس بين الاثاث او في الجدران ..



ثم اردف ..



- وهذا ما يرتد بنا إلى عهد الطفوله السعيده ..



وغمز بعينه فلم يغب عنها النذير المقصود .. وبدا لها الأمر كله عجبيا ..



هاهي ذي في قلب الصحراء تشارك رجلا غريبا مخدعه وتشاطره الفراش ذاته ومع ذلك فإن في التوجس والقلق والخطر المسيطر عليهما ما جعل الرابطة التي بينهما مفككه منفصمه ..



عادت هيلاري إلى الحديث فقالت :



- لقد اجروا علي عدة فحوص طبيه ونفسيه.



- هذا هو ما بفعلونه دائما مع الوافدين الجدد .



- وهل فحصت انت ايضا؟



- هذا امر طبيعي..



- وبعد هذا قابلت الدكتور نيلسون نائب المدير فتبادلنا الحديث برهه قصيره .



- إنه إداري حازم قدير .



- ولكني لم اقابل المدير بعد.



- احسب انك لن تقابليه ابدا وإن كان من حين لآخر يلقي علينا بعض المحاضرات .. وهو رجل ذو شخصيه جذابه ..



قطب بيترتون جبينه وادركت هيلاري انه يريد ان يثنيها عن مواصلة هذا الحديث .. فما كان منها إلا ان لاذت بالصمت ..



قال لها بيترتون ..



- إنهم يتناولون العشاء هنا ابتداء من الثامنه مساءا .. فيحسن بنا يا عزيزتي ان نتأهب للنزول ..



ابدلت هيلاري ثيابها وارتدت الفستان الذي جاءت به من قسم الملابس ..وتحلت بقلاده من اللآلئ المقلده ..



هبطا معا إلى قاعة الطعام وخفت الآنسه جينسون إلى استقبالهما قائله:



- لقد اعددت لكما مائدة كبيره يشارككما فيها بعض رفاق زوجتك في السفر فضلا عن الدكتور مارشيسون وزوجته ..



-



ارشدتهما إلى الطاوله المقصوده وكان اندرو بيترز و إيريكسون قد سبقا إليها وانتظما حولها وقدمت هيلاري زوجها إلى الرجلين .. ولم يلبث الدكتور مارشيسون وزوجته أن لحقا بهم وقدمهما بيترتون إلى الآخرين وهو يقول :



- سيمون وانا نشتغل معا في معمل واحد ..



كان سيمون مارشيسون شابا نحيفا في السادسة والعشرين ذا وجه باهت اللون .. اما زوجته بيانكا فكانت ممتلئة الجسم إلى حد ما وفي حديثها لكنه اجنبيه واضحه ..



رحبت بيانكا بهيلاري في لهجة مهذبه ولكن في شيء من التحفظ ثم قالت متسائله:



- إنك لست عالمه فيما اعتقد ؟!



- كلا .. إني لم أتلق تدريبا علميا .. فقد كنت اعمل سكرتيره قبل زواجي ..



وقال الدكتور مارشيسون :



- لقد درست زوجتي الاقتصاد والقانون التجاري وهي تلقي علينا بعض المحاضرات من حين لآخر وإن كانت لا تجد إلا نفرا قليلا يؤم محاضراتها ..



فهزت بيانكا كتفيها في استخفاف وقالت:



- لقد استطعت على أية حال ان التمس هنا ما اشغل به وقتي .. فقد بدأت ادرس احوال مجتمعنا هذا حتى اعمل على تطويره وتحسينه. ومادامت السيدة بيترتون غير قائمه ببحث علمي فإن في وسعها ان تساعدني في مهمتي ..



وسارعت هيلاري ترحب بالاقتراح ..

واضحكهم اندرو بأن قال:



- ارجوا ان يعهدوا إلي بالعمل على الفور .. وإلا انقلبت تلميذا امضي وقتي في لعب البلي ..



قال سيمون مارشيسون في حماس :



- هذا مكان رائع للبحث العلمي فكل الاجهزة متوافره ولا احد يقحم نفسه او يقطع عليك عملك ..



سأله بيترز :



- ما تخصصك يادكتور؟!



اخذ الرجلان يتداولان حديثا علميا بحتا فتحولت هيلاري إلى إيريكسون الذي كان متراخيا في مقعده بعينين شاردتين وسألته:



- وانت .. اتراك ايضا تحس حنينا للوطن؟!



- إني رجل لا اؤمن بمثل هذه الترهات الفارغه ... الوطن .. روابط الاسره والطفل .. مشاعر المحبه والوفاء .. كل هذا هراء .. إن المرء لكي يعمل يجب ان يكون حرا طليقا .. لا يشده اي نوع من القيود ..



- او تشعر بأنك هنا ستكون حرا طليقا؟!



- هذا ما ارجوه .. وإن كنت لا ادري حقيقة حتى الآن ..



مالت بيانكا إلى هيلاري وهي تقول :



- بعد العشاء لدينا الكثير مما نشغل به وقتنا .. غرفة لعبة البريدج مثلا .. والعاب الورق الاخرى .. قاعة السينما تعرض افلاما حديثه .. وقاعة التمثيل تعمل ثلاثة ايام كل اسبوع .. وكذلك سهرات راقصه من حين لآخر ..



قطب ايريكسون جبينه وقال :



- كل هذا لغو لا جدوى من ورائه .. إنه يصرف الباحث عن عمله ويبدد نشاطه ..



قالت بيانكا :



- كل هذا الذي تسميه لغوا ضروري لنا معشر النساء ..



فتطلع إليها بنظره بارده .. كأنما يقول : وحتى انتن معشر النساء لا ضرورة لكن ..



تعمدت هيلاري ان تتثاءب وقالت :



- اما انا فسآوي الليله إلى فراشي مبكره .. إذ ما زلت متعبه مرهقه..



فقالت لها بيانكا :



- إنك على حق ياعزيزتي .. فقد كابدت الاهوال .. فضلا عن هذه الرحلة المضنيه ..



فقال بيترتون وهم يزايلون المائده:



- الجو الليله منعش لطيف.. وقد اعتدنا ان نقضي بعض الوقت في حديقه السطح قبل ان نمضي إلى العمل او النوم .. فلم لا تصحبيننا ياعزيزتي اوليف ؟



كانت حديقة السطح تحفة فنيه رائعه .. كانت بستانا حافلا بأجمل انواع الأزهار واندرها .. تتوسطها نافوره صغيره يتدفق منها الماء رشاشا متناثرا تنعكس عليه اضواء ملونه خلابه ..



قالت هيلاري في افتتان :



- إني لا اصدق ما تراه عيناي. ايقوم هذا في قلب صحراء قاحله مجدبه ؟ لكأني اعيش في قصة من ليالي الف ليله..



فقالت مارشيسون:



- صدقت يا سيدة بيترتون .. ولكن مادام الماء غزيرا والمال متوافرا فلا شيء مستحيل ..



- ولكن .. من اين لكم بهذا الماء الغزير ؟!



- من نبع عميق حفرناه في الجبل بأحدث الاساليب العلميه ..



واخذوا يتمشون في حديقة السطح قليلا .. ويتسامرون بالحديث .. ثم انسحبوا واحدا بعد الآخر .. ولم يبق اخيرا إلا توماس بيترتون وزوجته هيلاري كرافن .. اخذ بيدها واجلسها على إحدى الأرائك المتناثره في ارجاء الحديقه ووقف في مواجهتها وحدجها بنظرة متسائله وقال:



- والآن .. من انت بحق السماء؟!



رفعت وجهها تتطلع إليه برهه دون ان تجيب .. وبدلا من ان ترد على سؤاله قالت تسأله :



- لماذا كذبت فزعمت اني زوجتك؟!



تبادلا نظرات صامته .. واخيرا قال بيترتون .. :



- مجرد نزوه طارئه .. لقد خطر لي انك ربما جئت لكي تخرجيني من هنا .. ياإلهي.. هذا سؤال توجهينه إلي؟! ان الإجابه واضحه معروفه !!!



فعادت تسأله :



- ولكن كيف جئت إلى هنا ؟!



- إذا كنت تقصدين اني اختطفت .. او ان شيئا من هذا القبيل قد حدث .. فانزعي من رأسك مثل هذه الفكره من رأسك .. لقد اتيت إلى هنا من تلقاء نفسي وبمحض إرادتي .. وكنت ممتلئا حماسه ..



- وهل كنت تعرف انك قادم إلى هذا المكان ؟!



- لا .. لم يخطر لي قط أنني آت إلى افريقيا .. ولم احاول قط ان اسأل .. لقد احتواني البريق الخداع واخذتني الكلمات الحماسيه : السلام العالمي .. الحريه المطلقه .. اقتسام الأسرار العلميه بين دول العالم جمعاء .. القضاء على الرأسماليين وتجار الحروب .. نعم .. كل هذه الترهات الخرافيه ..



واردف :



- وصاحبنا بيترز الذي صحبك في رحلتك .. إنه هو ايضا ابتلع الطعم ..



- ومالذي اكتشفته بعد ان وصلت؟!



- سوف ترين بنفسك .. ولكن يكفي ان اقول لك .. إن الحريه التي حلمنا بها .. لا وجود لها هنا ..



وجلس إلى جانبها مقطب الجبين ثم قال :



- ونفس الوضع هو الذي اثارني في انجلترا وجعلني اكره البقاء فيها .. إجراءات الامن الصارمه .. التجسس على حركاتي وسكناتي .. تعقب خطواتي ومحاسبتي على كل كلمه اتفوه بها .. كل هذا حطم اعصابي ..



واستطرد بنفس النبرة اليائسه :



- ثم جئت إلى هنا .. فإذا الفردوس الموعود مجرد سراب .. لقد عانيت نفس الأوضاع .. بل اشد هولا..



وتابع الحديث ..



- احدث الأجهزة العلميه رهن إشارتنا والمال متوافر لإجراء الابحاث التي نجريها ولكني مع هذا لا املك إلا ان اشعر يأني في سجن تحف به الأسوار والقضبان ..



ران عليهما الصمت .. ثم استدار إليها متسائلا:



- والآن لنعد إلى ما كنا فيه .. مالذي جعلك تحضرين إلى هنا وتزعمين انك اوليف ؟!



قالت :



- اوليف ....



ثم امسكت تلتمس الكلمات الملائمه لكي تجيب عن السؤال .



عاد يتساءل :



- ولكن اين اوليف ؟ مالذي جرى لها ؟



ناورت وتحايلت على الكلمات ثم اضطرت اخيرا إلى ان تجيب .



حملق إليها شاردا ثم قال :



- إذن فأوليف ماتت ..



غرق في صمت طويل ثم رفع رأسه اخيرا وقال:



- اوليف ماتت وحللت مكانها .. ولكن لماذا؟!



كان الجواب حاضرا في ذهنها .. لم تكن هيلاري كرافن حتى هذه اللحظه مطمئنه تماما إلى بيترتون .. وكانت تراه مزعزع الأعصاب وقد اوشك ان ينهار.. فمن دواعي الحكمه ان تحجب دونه اسرارها ..



لقد قال لها في بداية الحديث انه يحسبها جاءت لكي تنقذه وتخرجه من هنا ، فلم لا تجاريه فيما اعتقد ؟



إن من الحماقه ان تصارحه بأنها مجرد جاسوسه اوفدها جيسوب لتوافيه بما تقع عليه من معلومات..



قالت تجيب على سؤاله:



- كنت مع زوجتك في المستشفى حين ماتت فتطوعت لأداء هذه المهمه وقررت ان انتحل شخصيتها واسمها خاصه وان قوامي يشبه قوامها وشعري الاحمر في لون شعرها .



فقال:



- حقا فإن لك نفس الشعر الأحمر النحاسي ..



ثم اردف :



- ولكن مالرساله التي ارادت اوليف ان تبلغها إلي؟!



فسألته :



- اتعرف شخصا يدعى بوريس؟!



- نعم .. بوريس جلايدر .. إني لم اقابله مطلقا .. ولكنه إبن عمة زوجتي السابقه ...



- لقد ارادت اوليف ان تكون على حذر منه وقالت إنه خطر..



- خطر؟ ولماذا يكون خطرا علي؟! هذا عجيب.!! اتراه قابل اوليف؟!



فقالت :



- إنها لم تقابله ولكنها تلقت رسالة منه ..



- ومالذي قاله لها؟!



- هذا مالا علم لي به ، ولكنها اضافة عباره اخرى .. قالت : تذهبين تذهبين .. اذهبي وحدثيه عن بوريس .. إني لا اصدق هذا .. لا استطيع ان اصدق .. ولكن ربما كان صحيحا .. وإذا كان .. فعليه ان يكون على حذر ..



وكانت هذه اخر كلمات نطقت بها .. ثم لفظت انفاسها الاخيره .



- بوريس؟ ولكن .. لماذا ؟ لماذا ؟ هذا مالا استطيع ان اتبينه..



لاذ بالصمت برهة ثم عاد يقول :



- يا إلهي .. لقد قضي علي بأن ابقى هنا إلى الأبد وراء القضبان ..



فقالت هيلاري بصوت مليء بالثقه والإيمان :



- بل لا بد ان تخرج من هنا ..



- ولكن كيف ؟ كيف ؟ إن هذا لمستحيل ..



فقالت :



- لا مستحيل في الدنيا .. سوف نجد وسيله ..



لم تكن هيلاري مؤمنه بما تقول .. ولكنها ارادت ان تبث في نفسه الشجاعة والأمل .. حتى لا تنهار اعصابه .



واستطردت :



- لا داعي لليأس .. هناك سجون ومعتقلات حصينه استطاع من فيها ان يهربوا منها بوسيلة ما .. بحفر نفق مثلا .. كل ما هنالك ان الأمر يحتاج إلى التأني وإلى الوقت ..



فردد في يأس :



- ومن أين لي الوقت ؟ ألا تعرفين مايحدث هنا؟ إنهم يريدون من العالم الذي يأتون به هنا أن ينتج شيئا .. يريدون منه ان يبحث وان يخرج عليهم باكتشاف عبقري.. أنا إن عجز .. فهل تدرين مصيره؟!



فقالت :



- يعيدونه إلى بلاده دون شك !!



فأجاب :



- بل يتخلصون منه .. يقتلونه !!



- يقتلونه!! إني لا اصدق هذا ..



- بل تلك هي الحقيقه .. لأنه لم يعد ذا نفع لهم بل اصبح عبئا عليهم .. وقد اصبحت انا هذا العبء المكروه فإن شعوري بأنني سجين هنا شل تفكيري ولم اعد قادرا على موالاة البحث فلم انتج شيئا منذ حضرت .. وقد ظنوا ان ابتعادي عن زوجتي هو الذي جمد عبقريتي ولذلك ارسلوا يستدعونها .. والآن وقد حضرت انت باعتبارك زوجتي .. فإنهم لن يصبروا علي اكثر من هذا .. فإما ان انتج .. وإما ان اقتل ..



اخذت هيلاري بذراعه وهي تقول:



- والآن فلنعد إلى جناحنا .. فقد تأخر بنا الوقت ..



ثم اردفت :



- نم مطمئنا فسوف نجد وسيله للفرار.. نعم .. حتما سوف نهرب ..



الفصل الرابع عشر:



في فندق المأمون في مراكش .. كانت الآنسه هيذرنجتون مجتمعه برجلين .. احدهما جيسوب والآخر فرنسي تشع عيناه ذكاء ..



ولكن هيذرنجتون هذه لم تكن تلك التي رأيناها من قبل تتعرف إلى هيلاري في كازابلانكا وفزان .. وتمضي معها معظم الوقت ..



كان لها حقا نفس القوام ونفس الملامح .. ونفس هيئة الشعر وتنسيقه .. ولكن هيذرنجتون هذه كانت تبدو اصغر سنا واكثر حيويه فقد كانت عند لقائها بهيلاري تخفي سماتها الحقيقيه ..



وقال لها جيسوب مستطردا في الحديث :



- إذن فؤلاء هم الوحيدون الذين اتصلوا بها في فزان؟!



فقالت :



- كان هناك ايضا هذه المرأه المدعوه كالفين بيكر .. التي تعرفت إلي وإلى اوليف بيترتون .. وقد حيرني امرها كثيرا .. فقد بدا لي انها اقحمت نفسها على السيدة بيترتون .. بيد انها امريكية الجنسية .. ومن عادة الامريكيين ان يتوددوا ويتحدثوا إلى كل انسان على غير سابق معرفه..



وعقب جيسوب :



- هذا صحيح..



فقالت جانيت هيذرنجتون :



- ولكن الغريب الذي يسترعي النظر انها استقلت نفس الطائره ..



فتساءل جيسوب:



- اتريدين القول ان سقوط الطائره كان حادثا مدبرا؟!



ثم التفت إلى الرجل الفرنسي وسأله :



- ما رأيك في هذا يا ليبلان؟!



فأجاب الفرنسي:



- هذا محتمل وإن كان من المستحيل ان نقيم الدليل على هذا فقد احترقت واحترق كل من فيها ..



- وما رأيك في الطيار؟!



- الكادي ؟ إنه طيار مغامر مرن الضمير .. ولا يسعى إلا وراء المال ولا يؤمن بشيء من المعتقدات السياسية .. بل لا شأن له بالسياسة على الإطلاق ..



- إذن فلا يمكن ان يكون قد قام بتخريب الطائره لكي ينتحر ويضحي بنفسه ..



فقال ليبلان :



- عثرنا بين حطام الطائره على سبع جثث محترقه متفحمه اختفت معالمها ..



وعادت الآنسه هيذرنجتون إلى متابعة حديثها فقالت :



- وقد تبادلت السيده بيترتون بضع كلمات مع اسره فرنسيه كانت تنزل مع اطفالها في نفس الفندق وكان في الفندق ايضا سويدي من الأثرياء مع إحدى نجوم السينما وكذلك السيد اريستيد المليونير اليوناني صاحب آبار البترول.



فقال ليبلان :



- هذا الرجل عجيب الشأن فعلى الرغم من ملايينه التي لا تحصى فهو عزوف عن النساء ولا يلعب الميسر وليس لديه جياد للسباق وإنما يحبس نفسه في قصره في اسبانيا لا يبرحه إلا نادرا وليس له من هواية إلا جمع التحف الصينيه ..



واستطردت جانيت هيذرنجتون:



- وفيما اعلم لم تتبادل السيده بيترتون حديثا لا مع الثري السويدي ولا مع المليونير اليوناني ..



فسألها جيسوب :



- والخدم والجرسونات ؟



- هذا محتمل دائما .. وقد زارت المدينه القديمه مع احد الأدلاء وبمجرد عودتها قررت ان تسافر إلى مراكش فمن المحتمل ان يكون احد قد اتصل بها في اثناء زيارتها للمدينه القديمه ..



قال جيسوب :



- وكذلك قررت السيده كالفن بيكر فجأه أن تصحبها في رحلتها إلى مراكش .. ألا يبدو هذا امرا غريبا .. وهي التي كانت في مراكش منذ فتره وجيزه .. ؟!



ومضى جيسوب يذرع الغرفه وهو غارق في التفكير ثم قال :



- كلما تمعنت في الأمر ازددت اقتناعا بأن سقوط الطائره كان حادثا مدبرا ..



فقال ليبلان:



- من السهل جدا الهبوط بالطائره إلى الأرض وإحراقها عمدا ثم الادعاء بعد ذلك بأنها سقطت واحترقت .. ولكن كيف نعلل وجود الجثث بين الحطام ؟ هل يمكن ان يرضى ركابها بأن يقبعوا في داخلها ساكنين حتى يحترقوا؟!



قال جيسوب:



- فلنلق نظره اخرى على قائمة الركاب ..



تناول ليبلان ورقه مطويه من جيبه ونشرها امامه وانكب عليها الرجلان يتصفحانها ..



- السيده كالفن بيكر امريكيه .. السيده بيترتون انجليزيه .. توركيل إيريكسون نرويجي في السابعه والعشرين .. وإني اذكر اسمه فقد سبق له ان القى بعض المحاضرات في الجمعيه الملكيه ..



استطرد ليبلان:



- وبعد ذلك راهبه المانيه ثم اندرو بيترز الأمريكي الجنسيه .. والدكتور بارون .. اشهر علماء الجراثيم في العالم ..



فقال جيسوب معقبا:



- محال ان يكونوا قد ضحوا بهؤلاء الأفذاذ عمدا .. لابد ان في الأمر سرا .. ولكن المشكله هي تلك الجثث التي وجدت محترقه بين الحطام ..



رن جرس التليفون وتناول ليبلان السماعه .. وانصت برهة إلى محدثه ثم قال وقد اشرق وجهه وتألقت عيناه :



- حسنا حسنا جدا .. ابعث بهم إلي في الحال..



ثم تحول إلى جبسوب قائلا:



- يبدو ياعزيزي انك على صواب فيما ذهبت إليه .. لقد امرت رجالي بأن ينتشروا في كل مكان يبحثون ويتحرون .. وقد عادوا إلي بمعلومات مهمه جدا ..



فتساءل جيسوب :



- حقا ؟ ومالذي جاءوا به؟!



- مهلا مهلا وسوف ترى ..



فتح الباب بعد لحظات ودخل رجلان يرتدي احدهما الزي الأوروبي .. وكانت ثيابه معفره دلالة على انه قادم لتوه من السفر .. وكان برفقته رجل اخر يرتدي العباءه المراكشيه الفضفاضه ..



قال الأوروبي :



- لقد قمنا بتحريات واسعه ووعدنا من يدلي إلينا بأية معلومات بمكافأة جزيله .. وقد انتشر صاحبنا هذا ( وأشار إلى الرجل العربي ) وافراد اسرته واصدقاؤه في كل مكان يسألون ويستفسرون .. وقد رأيت أن اتي به معي لتسمع منه بنفسك مالديه من معلومات ..



والتفت ليبلان إلى العربي قائلا:



- إن لك فيما ارى ياصاح عيني صقر تستطيع ان تريا كل شيء ولا يمكن ان يفوتهما شيء .. فهيا هات ماعندك ..



اخرج الرجل من طيات عباءته لؤلؤه كبيره يضرب لونها إلى القرمزي وقال :



- إنها شبيهه تماما باللؤلؤة التي عرضتموها علي وعلى رجالي .. لقد عثرنا عليها ..



تناولها منه جيسوب وقارنها بلؤلؤة اخرى اخرجها من جيبه فكانتا متماثلتين تماما .. ثم اخذ عدسه مكبره وفحص اللؤلؤتين بدقه ..



وغمغم يقول :



- نعم .. إن العلامه ظاهره .. إنها فتاه رائعه .. لقد نفذت تعليماتي .. يالها من فتاه ..



وفي خلال ذلك كان ليبلان منهمكا في استجواب الرجل العربي فلما فرغ منه تحول إلى جيسوب وقال :



- هذه اللؤلؤه يازميلي العزيز وجدت على مسافة نصف ميل من حطام الطائره .. وجثتها ليست قطعا إحدى الجثث السبع المتفحمه التي وجدت بين الحطام ..



قال ليبلان وهو يتصفح قائمة الركاب مرة اخرى :



- اوليف بيترتون .. والدكتور بارون .. هذان الاثنان على الاقل ذاهبان حتما إلى حيث يراد لهما ان يذهبا .. اما الامريكيه كالفن بيكر .. فيمكننا ان نخرجها من حسابنا .. وتوركيل ايريكسون له ابحاث عرضت على الجمعيه الملكيه العلميه .. والأمريكي بيترز .. باحث كيماوي طبقا لما ورد في جواز سفره .. والراهبه الألمانهي هيلدا .. يمكن ان تكون عالمه متنكره في هذا الزي .. الواقع أن الجماعخ كلها من الاخصائيين .. فهل جمعوهم معا في طائره واحده لكي يحرقوها ويقضوا عليهم ؟؟... هذا بالتأكيد فرض مستبعد .. أخرجوهم بالتأكيد من الطائره .. ثم احرقوها .. فمن اين جاءوا بالجثث التي وجدت متفحمه بين الحطام ؟!



فقال جيسوب :



- فلنطرح هذا البحث الآن جانبا .. فهو ليس بذي اهميه .. المهم اننا عرفنا ان ركاب الطائره لم يحترقوا معها وإما بدأوا رحلة جديده من حيث عثرنا على الحطام .. فما الخطوه التاليه ؟! هل نزور موقع الحادث ؟!



وبدأت حملة بحث دقيقه على طول الطريق .. اسئلة في كل خان .. واسئلة في كل محطة بنزين .. واسئله في مختلف القرى ..



واخيرا اسفر البحث عن شيء..



قال ليبلان :



- انظر يا صديقي .. لقد فتشوا المراحيض كما امرت .. فعثروا على هذه اللؤلؤة في خان عبدالله .. ملصقه بالجدار بقطعه من اللبان .. وقد استجوبناه وافراد اسرته فأنكروا كل شيء في البدايه ثم اعترفوا .. قالوا ان ستة اشخاص في سيارة رحلات نزلوا بالخان .. وذكروا انهم بعثه المانيه للبحث والتنقيب عن الآثار .. وطلبوا منهم ان يتكتموا لأنهم يقومون بالعمل خفيه دون تصريح من الحكومه .. ونقدوهم من المال قدرا كبيرا .. وفي قرية الكيف .. عثر بعض الغلمان على لؤلؤتين اخريين .. وبذلك عرفنا اتجاه السياره ..



وفي الصباح التالي .. جاء ليبلان باكتشاف جديد .. لقد عثر العرب على ثلاث لآلئ صفت على شكل مثلث .. وملصقة فوق قطعه من اللبان ..



وقال جيسوب :



- اللآلئ المثلثة الشكل معناها ان الطائره هي وسيلة الانتقال في المرحلة القادمه من الرحله ..



فقال ليبلان :



- إنك على صواب ياصديقي .. فقد عثروا على هذه اللآلئ في مطار حربي مهجور كان يستعمل خلال الحرب ..



ثم اردف :



- والآن فتلك هي المشكله بل اعتقد المشاكل: طائره مجهوله تتجه إلى مكان مجول ..



تنهد قائلا :



- وعند هذا تتوقف ابحاثنا ويضيع منا الأثر ..



الفصل الخامس عشر :



اقبلت الآنسة جينسون بعينيها الذابلتين تتألقان تحت نظارتها العتيقه الطراز .. ذات الزجاج السميك وقالت تخاطب هيلاري :



- لدينا اجتماع هذا المساء .. سيخطب فيه المدير نفسه ..



فقال بيترز معلنا :



- حسنا .. فقد كنت اتمنى ان القي نظره على هذا المدير الخفي ..



فرمته الانسه جينسون بنظرة لوم وعتاب ثم استدارت منصرفه ..



وقال بيترز :



- يبدو لي انها والهة في حبه كما كانوا يتفانون في حب هتلر ..



فقالت هيلاري :



- وهذا ما يتراءى لي .. إنها فاشستيه متحمسه..



فقال بيترز مستطردا :



- حين غادرت الولايات المتحدة كنت ممتلئا حماسا وشبابا .. اتوق إلى دنيا تسودها الاخوة والسلام .. ولكن لو اني توقعت اني سألقي بنفسي بين براثن هذا الديكتاتور لما بارحت وطني ..



فهتفت هيلاري وقد تضرج وجهها احمرارا..



- لكم يسعدني ان اسمعك تقول هذا .. وكم اسعدني ان التقيت بك هنا .. فأنت رجل ظريف ومرح ..



فقال ضاحكا :



- يبدو لي انك ضقت بمعاشرة العباقره ..



فأجابت :



- هذا صحيح .. ثم انك تغيرت كثيرا في الايام الاخيره .. فقد زايلك شعور الكراهيه والمراره ..



- إنك مخطئه في هذا .. فهنا في اعماقي لايزال الحقد كامنا يتأجج ويتلظى .. نعم يا اوليف .. هناك اشياء يجب ان يكرهها الإنسان ..



بعد العشاء انعقد الاجتماع الذي اشارت إليه الآنسه جينسون في قاعة المحاضرات .. وحضره جميع اعضاء البحث العلمي من علماء ومساعدين وكيميائيين وغيرهم ..



اتخذت هيلاري مجلسها بجانب زوجها المزعوم بيترتون .. وهي اشد ما تكون لهفة إلى مشاهدة الرجل الذي يدير هذا المركز ويفرض عليه قيوده واغلاله ..



لقد سألت عنه زوجها فكانت إجابته متسمه بالغموض .. فقد قال:



- لقد رأيته مرتين فقط .. وهو رجل عظيم .. ذو شخصيه طاغيه جباره .. يستحوذ على عقلك ويخضعك لسلطانه فور ان يتكلم ..



اخيرا ظهر الرجل على منصة الخطابه ووقف الحضور جميعا تحية له .. كان رجلا متوسط العمر متين البنيان .. لابالطويل ولا بالقصير .. يتميز بعينين تشعان ذكاء متألقا وله نظرات نفاذه كأنما يسري فيها تيار كهربي قوي ..



وحين وقف ليتكلم تعلقت به العيون في انتباه شديد .. استهل خطابه بأن قال :



- دعوني اولا ارحب بزملائنا الجدد الذين انضموا إلينا في الأيام الاخيره ..



ثم شرع بعد هذا يتحدث عن اهداف المنظمه وامانيها ..



حاولت هيلاري فيما بعد ان تستعيد إلى ذهنها ماسمعته .. فاستعصى عليها الامر .. وخيل إليها انه لم يتفوه إلا بكلمات عاديه مرسله جوفاء .. وإن كان الإنصات إليه امرا مختلفا جدا .. فحين يتكلم .. تحس بسحره يطغى عليك ويأخذك ويحتويك ولكن إذا ما حللت كلماته فسوف تجدها مجرد لغو لا يقدم ولا يؤخر .. ذكرت هيلاري عند هذا ماحدثها به صديق لها عاش في المانيا اثناء الحرب .. وكيف كان الشعب الالماني يجن ويشتعل حين يستمع إلى هتلر ..



وكان الخطيب هذه الليله ايضا من هذا الطراز العجيب ..



سحر الحاضرين بكلماته فجعلوا يتابعون كلماته مشدوهين .. كأنما يهيمون في السماوات ..



تكلم الخطيب في البدايه عن الشباب ودور الشباب في حكم العالم .. وأن مستقبل العالم منوط بهم .. فقال:



- الثروات المكدسه والنفوذ الإقطاعي والأسره الكبيره المتضامنه .. تلك كلها هي اسلحة الماضي .. اما اليوم فالشباب هو مصدر القوة والسلطان .. نعم إن العقول هي القوه .. عقل الكيميائي والعالم الطبيعي .. والمهندس .. من بطون المعامل أيها الأصدقاء تنبثق القوه .. التي يمكن ان تدمر العالم ..



وبهذه القوه في ايدينا يمكن ان نقول للدنيا : إما التسليم وإما الموت ..



واستطرد قائلا:



- وهذه القوة المدمره الهائله لا يصح ابدا ان تكون في يد دوله واحده .. وإنما تتقاسمها جميع الدول .. تكون ملكا للجميع .. إنكم ايها الاصدقاء جئتم من جميع البلاد .. جئتم ومعكم معظم ما وصل إليه العلم من اكتشافات كما جئتم ومعكم الشباب.. فليس من بينكم من تجاوز الاربعين .. فهنا سوف نقيم دولة الشباب لكي نحكم العالم .. سنقول للدنيا:



ها قد جاء الشباب ليحكم ويسيطر .. أيها الرأسماليون .. أيها الملوك .. يارجال الصناعه وياقادة الجيوش .. تخلوا عن مقاعدكم فالشباب قد جاء ليحكم ..



وعلى هذا النسق دارت الخطبة كلها .. كلمات رنانه مدويه .. خلبت الباب السامعين وسحرتهم .. فما إن فرغ منها حتى هبوا جميعا وقوفا يصفقون ويهللون ..



واخذ اندرو بيترز بذراع هيلاري وهو يقول :



- هيا بنا إلى حديقة السطح فإني في حاجة إلى الهواء النقي ..



قال لها وهما يمشيان في الحديقه :



- إنني بعد ان استمعت إلى هذا الخطاب ازددت عزما على ان اخرج من هنا ..



فقالت :



- ولكن كيف .. كيف ؟! إنني اراه طريقا مسدودا لا سبيل إلى ثغرة فيه ..



- وهل حسبتني خاملا متواكلا؟ إنني ماض في تدبير خطتي ..



- وهل ستوفق؟



- هذا ما اتوقعه ..



- وهل تنوي ان تأخذني معك .؟



- وهل يخامرك شك في هذا؟



- و.. بيترتون بالتأكيد ؟!



فتجهم وجهه وقال:



- صدقيني يا اوليف فيما اقول : إنه من الاسلم لبيترتون ان يبقى هنا ..



فتطلعت إليه في استغراب وقالت :



- من الأسلم ان يبقى هنا ؟ ماذا تقصد ؟! اتعني أن عقله قد اختبل ؟ وانه اصبح مجنونا ؟!



- إنه سليم العقل .. مثلي ومثلك تماما ..



- إذن لماذا يبقى هنا؟! ألعلك تعتقد انه خان وطنه وباع اسراره العلميه إلى المنظمه ؟ الا تعلم انه يتلهف إلى الهرب؟!



فقال بيترز بأسى :



- لقد حذرتك .. وحسبي هذا ..



ثم اردف :



- بالله عليك .. مالذي يجعلك تهتمين بهذا الرجل ؟!



همت بأن تصرخ فيه :



- ولكنني لا اهتم به .. إنك الوحيد الذي اهتم به لأنني احبك ..



ولكنها في اللحظه الاخيره امسكت بالكلمات التي كاد ان يجري بها لسانها .. واكتفت بأن تطلعت إليه بنظره تفيض اسى ومراره ..



****



قال لها بيترتون وقد عادت إلى جناحها :



- هل قضيت وقتا ممتعا مع صديقك الامريكي ؟!



فتضرج وجه هيلاري احمرارا واجابت :



- اتراك تغار منه ؟ انسيت اننا كنا رفيقين في السفر ؟!



فضحك بيترتون وقال :



- لست الومك على كل حال .. فإنه وسيم وجذاب ..



واستطرد يقول:



- وانت ايضا امرأه جميله .. لم افطن إلى ذلك من قبل .. لأنني مشتت العقل لا استطيع ان اركز تفكيري على شيء .. هذا المكان يخنقني ويحطم اعصابي ..



فقالت :



- ولكن الاخرين يعملون ويفكرون .. فلم لا تكون مثلهم ؟!



فأجاب :



- لأنهم جماعه من الحمقى ماتت مشاعرهم ..



- ولكن لاشك في ان فيهم نفرا مرهفي الإحساس



ثم اردفت :



- لم لا تتخير من بينهم صديقا فتجد في صحبته مايرفه عنك؟!



فقال:



- إن ايريكسون هو صديقي الوحيد ..



فقالت في دهشه واستنكار :



- حقا ؟ ولكني لا ارتاح إلى هذا الرجل .. إنه يخيفني ....



- توركيل يخيفك؟! إنه رجل وديع مسالم كأنه طفل ..



- مهما يكن فإنه يخيفني .. ولكم اتمنى ان تقطع صلتك به ..



- ولكن لماذا؟! مالذي تأخذينه عليه ؟ لماذا تكرهينه ؟ مالذي يخيفك منه؟!



- لا أدري .. مجرد هاجس بنفسي .. ليس سوى إلهام ..






الفصل السادس عشر:



قال المفتش ليبلان:



- لاشك في انهم غادروا افريقيا بالطائره ..



فرد جيسوب:



- ليس الأمر مؤكدا ..



- ولكن الاحتمالات كلها تشير إلى هذا .. إننا جميعا نعرف الجهة التي يقصدونها ..



- وهذا ايضا امر غير مؤكد .. فإذا كانوا قاصدين هذه الجهه .. فما الذي يجعلهم يتكبدون مشقة السفر اولا إلى إفريقيا .. وبعد ذلك يسافرون إلى تلك الجهه ؟ إن من الأسهل عليهم ان يسافروا إليها رأسا من اوروبا..



- هذا صحيح .. ولكن لعلهم فعلوا هذا ليضللوا كل من يحاول ان يتعقب اثرهم .. إذ لن يخطر لأحد ان افريقيا هي مقر الاجتماع ..



بيد ان جيسوب ظل متشبثا برأيه .. فقال:



- إنني اعتقد ان في الأمر سرا خفيا .. فالمطار صغير الحجم .. لا يتسع إلا لطائره صغيره .. إذا عبروا بها البحر الأبيض فقد استهدفوا لمخاطر لا داعي ان يعرضوا انفسهم لها .. وفضلا عن ذلك فلا بد ان يهبطوا في اكثر من مطار ليتزودوا بالبنزين .. وفي هذا مايسترعي الأنظار إليهم فينكشف امرهم ..



كلا ياعزيزي ليبلان .. إنني اعتقد انهم لم يبرحوا افريقيا ..



فقال ليبلان:



- ولكننا لم ندع مكانا إلا فتشناه ..



- إننا افترضنا انهم سيعبرون البحر الأبيض .. ولذلك اتجهت ابحاثنا ناحية الجنوب .. فلم لا نعكس الأمر ونمد بحثنا إلى الشمال؟!



- ولكن ماعسى ان تكون وجهتهم ؟ ليس في الشمال إلا جبال شاهقه .. تمتد وراءها صحراء شاسعه بلا حدود ..



- من يدري ؟ من يدري ؟



*****



قال الرجل اسمر الوجه الذي ينحدر من قبائل البربر ..



- إنك اقسمت ياسيدي ان تفي بوعدك ..



فرد عليه اندرو بيترز :



- بالتأكيد سأفي بوعدي ..



- وهل ستكون مكافأتي محطة بنزين في امريكا؟ في شيكاغو ؟ هل انت متأكد ؟



- إني متأكد يا محمد طالما استطعت ان تخرجنا من هنا ..



- إن النجاح مرهون بإرادة الله ..



- إذن دعنا نأمل ان تكون إرادة الله قد قضت لك بمحطة بنزين في شيكاغو .. ولكن لماذا شيكاغو بالذات؟!



- لأن شقيق زوجتي مقيم في امريكا ولديه محطة بنزين هناك .. ولا اريد ان اكون دونه مقاما .. لدينا هناك مال كثير وطعام وفير ونساء جميلات .. ولكن امريكا بلاد متحضره ..



- إنك بالتأكيد تدرك انهم إن عثروا علينا فإننا .........



قال محمد مقاطعا :



- إن عثروا عليكم فالموت جزائي .. ولكنهم لن يمسوكم انتم بسوء .. لأنهم في حاجه إليكم ..



ومع ذلك فإني لا اخاف الموت .. إن الموت مكتوب على البشر .. يأتيهم من حيث لا يدركون .. الموت هو قضاء الله ..



فقال بيترز :



- وهل وعيت تماما ما اريده منك؟



- نعم يا سيدي ... علي ان اصعد بك إلى السطح بعد هبوط الظلام .. وان اتيك بثياب مراكشيه مشابهه تماما للثياب التي ارتيدها انا والخدم ...



- تماما .. وإذا نجحنا فلك محطة البنزين الموعوده ..



******



في ذلك المساء اقيمت حفلة ساهره دار فيها الرقص والشراب ساعات متواصله .. ورقص اندرو بيترز مع الانسه جينسون .. وكان يضمها على صدره في رقه وبدا انه كان يهمس في اذنها بكلمات ناعمه ويناجيها .. فقد كانت نظراتها تشع احلاما من وراء زجاج نظارتها المزدوج السميك .. وفي دورانهما حول القاعه مرا بهيلاري فغمز لها بيترز بعينيه خفية عن زميلته .. واشاحت هيلاري بنظرها بعيدا وقد قطبت بين عينيها باستياء ..



وقع بصر هيلاري على توم بيترتون وقد انتحى بتوركيل ايريكسون جانبا من القاعه .. وهما منهمكان في الحديث ..



سمعت هيلاري صوتا إلى جانبها يقول :



- اتسمحين لي بهذه الرقصه يا اوليف؟



- يسعدني ان اراقصك يا سيمون ..



- ولكن يجب ان انذرك انني لا اجيد الرقص ..



ابتسمت له هيلاري دون ان تعقب بكلمه ولكنها ركزت انتباهها طوال الوقت حتى لا يطأ قدميها .. وقال لها مارشيسون وانفاسه تتابع لاهثه :



- الرقص يحتاج إلى موالاة التدريب .. ولكني بكل اسف لا ارقص إلا نادرا ..



ثم تطلع إليها وهي بين ذراعيه وقال:



- ما اجمل هذا الفستان .. و ..



ادركت هيلاري على الفور انه لقن هذه العبارات دون شك من كتاب عتيق عن : ( كيف تتحدث وانت ترقص )



فأجابت :



- يسرني انه راقك ..



- إنك بالتأكيد اشتريته من قسم الملابس هنا..



كان هذا منه سؤالا سخيفا لا داعي له .. إذ من اين لها به إلا ان يكون من قسم الملابس هنا؟!!!!



واستطرد مارشيسون بعد لحظات وقد اشتدت انفاسه انبهارا لفرط ما ادركه من التعب :



- إنهم هنا يحسنون معاملتنا .. كنت اقول لبيانكا بالأمس ان كل شيء متوافر هنا .. الطعام جيد وفير .. والأجر ضخم مجز .. ولسنا مطالبين بشيء من الضرائب .. إننا في الحق نعيش هنا حياة رائعه ..



- وهل تراها بيانكا حياة رائعه ؟!



- لقد خامرها شيء من الضيق في البدايه .. ولكنها مالبثت ان الفت الحياه هنا .. واخذت تشغل فراغها بالنشاط الاجتماعي .. وكانت تتمنى لو انك شاركتها نشاطها ..



- إني امرأة منطويه على نفسي ولا يستهويني النشاط الاجتماعي ..



- هذا عجيب .. فإن المرأه العصريه ولعة بأن تشغل نفسها بأي شيء..



إنني لا اجهل ان النساء اللاتي آثرن القدوم إلى هذا المكان من مثيلاتك انت وبيانكا اقدمن على تضحية جسيمه .. فأنت مثلا لست من العلماء ولا عمل لديك هنا .. وزوجك منشغل طوال الوقت .. غارق في معمله بين انابيب الاختبار .. وقد قلت لبيانكا ان اوليف قد تضيق في البدايه بهذه الحياه ولكنها لن تلبث ان تألفها وتعتادها ..



انتزعها من خواطرها ان ظهر الدكتور نيلسون في صدر القاعه ولوح بيده فسكتت الموسيقى وكف الراقصون عن الرقص ..



قال الدكتور نيلسون يخاطب الحاضرين :



- أيها الاصدقاء والزملاء .. إنكم ستضطرون غدا إلى ان تلزموا جناح الطوارئ ولا تخرجوا منه .. فهناك بعثه قادمه لزيارة المستشفى ..وليس لهم بالتأكيد ان يشاهدوا احدا منكم .. ولكن الامر لن يطول اكثر من 24 ساعه ففور انصرافهم تعودون إلى سابق حريتكم .. وتتجولون في ارجاء المكان كما تشاءون ..



على اثر هذه الكلمات انسحب من القاعه وعادت الموسيقى إلى عزفها وبدأ الحاضرون يرقصون .. ومال بيترز إلى هيلاري يقول :



- إذن فغدا سنحبس في سجن خاص كأنما لا يكفينا هذا السجن الذي نعيش فيه ..



*****



في صباح اليوم التالي دوى جرس الإنذار فهرعوا جميعا إلى قاعة المحاضرات ومن هناك تولت الآنسه جينسون إرشادهم إلى جناح الطوارئ ..



مشت بهم في دهاليز متعرجه لا تنتهي وكان بيترز يسير متأبطا ذراع هيلاري وقد اخفى في يده بوصله صغيره



وقال لها :



- هذه البوصله قد تهدينا إلى الطريق فيما بعد حين تدعو الحاجه ..



وانتهوا إلى دهليز توقفوا فيه .. وضغطت الانسه جينسون على زر في الجدار فدار الجدار حول نفسه وكشف عن فجوه كبيره نفذوا من خلالها إلى جناح الطوارئ ..



اخرج بيترز علبة سجائره المصنوعة من غلاف قنبله وتناول منها سيجاره وقبل ان يشعلها ارتفع صوت الدكتور نيلسون قائلا :



- إن التدخين ممنوع ايها الاصدقاء ..



فقال بيترز معتذرا :



- اسف ..



واعاد السيجاره إلى علبته ولكنه لم يعد العلبه إلى جيبه .. بل استبقاها في يده .. ودخلوا إلى قاعة فسيحه صفت الاسره في ركنين منها .. ركن للرجال وآخر للنساء .. وفي ركن ثالث وضعت مائده كبيره وحولها المقاعد .. كما كان هناك مشرب كبير في الركن الرابع اما وسط القاعه فشغلته المقاعد والفوتيهات ..



وقالت جينسون تخاطب الحاضرين:



- ستجدون هنا كل ماتحتاجون إليه من شراب وطعام .. ولكن المقام لن يطول بكم في هذا المكان .. فما إن تنصرف البعثه حتى يباح لكم الخروج ..



***



كانت القاعه بلا نوافذ ولكنها كانت مزوده بأجهزة التكييف كما كان بها رفوف تكدست فوقها الكتب لمن يحبون القراءه ..



مال بيترز إلى هيلاري وهو يقول هامسا ..



- الجدران صماء بلا نوافذ حتى لا يفطن احد في الخارج إلى ان في هذا الموقع قاعه فيها علماء من الذين اختفوا من كل ارجاء الدنيا ..



انقضى النهار في هدوء وسلام وأمضى الحاضرون وقتهم في القراءة او الكتابه او لعب الورق او الحديث ..



واخيرا حانت ساعة النوم فنهضت هيلاري واقفه وحيت من معها معتذره بأنها تريد ان تأوي إلى فراشها ..



إلا انها ما إن مشت عبر القاعة بضع خطوات حتى لمست يد ذراعها فاستدارت ورأت إزاءها عربيا اسمر الوجه يرتدي تلك الثياب المزركشه التي يلبسها الخدم وقال لها الرجل :



- ارجو ان تأتي معي يا سيدتي ..



- آتي ؟ ولكن إلى أين؟



- أرجو ان تتبعيني يا سيدتي ..



تسمرت مكانها برهة متردده .. وللمرة الثانيه احست بيد الرجل على ذراعها وهو يقول مكررا :



- ارجو ان تتبعيني يا سيدتي ..



ورأت انه لا مناص من الإذعان فمشت وراء الرجل بضع خطوات ثم استدارت تتطلع إلى ما وراءها ..



رأت بيترز يتابعها بنظراته وكأنما يريد ان يلحق بها ..



مشى بها الرجل إلى باب سري في ركن القاعه وفتحه بمفتاح صغير في جيبه ثم خرج بها إلى دهليز قصير وفتح بابا اخر انكشف عن مصعد مخبأ في الجدار ودعاها إلى الدخول ..



فقالت له هيلاري والمصعد يشق بهما الطريق إلى اعلى :



- ولكن إلى اين تذهب بي ؟



فأجاب :



- إلى السيد يا سيدتي وهذا شرف عظيم ..



- اتقصد المدير ؟



- لا .. بل السيد نفسه يا سيدتي ..



توقف المصعد فخرجت منه هيلاري في اعقاب الدليل .. فاجتاز بها ردهة فرشت بالسجاد ثم فتح بابا في صدر الردهه ودعاها إلى الدخول ..



كانت الغرفه مؤثثه على الطراز الشرقي صفت بها الأرائك المنقوشه ووضعت فوقها الوسائد .. وهناك على اريكه في صدر القاعه كان رجل جالس يدخن في هدوء ..





تطلعت إلى وجه الرجل ثم فغرت عينيها في دهشه .. فما كان هذا الرجل إلا المليونير اليوناني : السيد أريستيد ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق